ابن حزم

17

رسائل ابن حزم الأندلسي

ليتدرج بذلك إلى الفوز والنجاة والخلاص من العذاب والنكد " ( 1 ) ، فكل العلوم ومنها التاريخ أدوات توصل في النهاية إلى الفوز والنجاة ، وهي المطلب الأسمى ، وذلك عن طريق ما تؤديه تلك العلوم من فهم للخالق وإقرار بالنبوة ، وإسعاف على فهم علم الشريعة جملة ؛ وقد بلغ ابن حزم هذا الموقف على أثر الإخفاق السياسي الذي منيت به الأندلس بعيد الفتنة البربرية ، وإخفاقه هو في الاحتفاظ بالمجد الدنيوي أو في العمل السياسي ، وفي ما أصبح يعانيه من وضع اقتصادي ، وكان البديل عن كل ذلك زهدية معتدلة توجه خطواته ، وتحدد غايته على نحو واضح ، وهي التوجه الكلي إلى الآخرة ، والإكباب على الشريعة وتسخير جميع القوى والروافد في خدمتها ؛ وقد فعلت في نفسه تلك الكلمة التي سمع محمد بن إسحاق الزاهد يقولها لأبيه : " احرص على أن لا تعمل شيئاً إلا بنية فإنك تؤجر في جميع أعمالك ، فإنك ترى ذلك في ميزان حسناتك " ( 2 ) ؛ وقد لقنته الفتنة درساً عميقاً وأملت عليه قبول التقلب في ارتفاع وهبوط ، دون تذمر أو شكوى ، وكانت تعرض له تلك الحكمة التي سمعها من أبيه ذات يوم : إذا شئت أن تحيا غنياً فلا تكن . . . ( 3 ) على حالة إلا رضيت بدونها وأخذ يبحث في التاريخ عن النموذج الأعلى الذي تمثله هذه الحكمة ، فوجده في الرسول ، ولهذا لخص طريقته في الحياة بكلمات عميقة الدلالة : يلبس الشعر إذا حضره ، ويلبس الوشي من الحبرات إذا حضره ، . . . . ومرة يأكل التمر دون خبز ، والخبز يابساً ، ومرة يأكل العناق المشوية . . . يأخذ القوت ويترك الفضل ، ويترك ما لا يحتاج إليه ، ولا يتكلف فوق مقدار الحاجة إليه ( 4 ) . . . . بل إن علم الشريعة نفسه الذي يرفده الاطلاع على سائر العلوم لا يطلب من أجل ذاته أو من أجل الدنيا ، " واعلم أن من طلب علم الشريعة ليدرك به رياسة أو يكسب به مالاً فقد هلك ، لأنه طلبه لغير ما أمره به خالقه أن يطلبه ، لأن خالقنا ، عز وجل ، إنما أمرنا أن نطلب ما شرع لنا لننجو به بعد الموت من العذاب والسخط . . . ( 5 ) " .

--> ( 1 ) رسائل ابن حزم ( 1954 ) : 74 . ( 2 ) الجذوة : 41 . ( 3 ) الصلة : 31 . ( 4 ) رسائل ابن حزم ( 1954 ) : 143 ، والجزء الأول من رسائله ( 1980 ) : 377 . ( 5 ) رسائل ابن حزم ( 1954 ) : 55 " من رسالة التوقيف على شارع النجاة . . . . " .